فجر  06:07  |  شروق  07:49  |  ظهر  12:56  |  عصر  15:23  |  مغرب  17:59  |  عشاء  19:40

السلسلة الرمضانية - الثمرة العاشرة: الانتصار على الشيطان

كتب بواسطة: الشيخ عوينات محي الدين، المستشار الشرعي للوقف on .

عداوة الشيطان للإنسان عداوة قديمة قدم خلق الإنسان، ولقد قص علينا ربنا سبحانه كيف بدأت تلك العداوة المصيرية، وما هو مستقبلها، ما هي طبيعة العلاقة بين الشيطان والإنسان إلى أن تنتهي قصة الحياة الدنيا في مواضع شتى في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، مما جعلها جزءاً من الإيمان والعقيدة.  كما أخبرنا سبحانه أن الشيطان لن يترك سبيلاً لإهلاك بني آدم، وصرفهم عن دينهم، ومحاولة أخذهم إلى سبيله ومصيره، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} سورة الأعراف آية 17

 

قال الإمام ابن القيم: (الشيطان عدو ملازم للعبد ملازمته لِنَفَسِه لا يفارقه طرفة عين، لا يغفل عنه، يبذل جهده في معاداته على كل حال، لا يدع أمراً يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه، نصب له الحبائل وبغى له الغوائل ومدَّ حوله الأشراك ونصب له الفخاخ والشباك). الداء والدواء

ولذلك فإن الله جل وعلا – قد حذر بني آدم من مكائد الشيطان الرجيم وحذرهم من تزيينه وإغوائه ووساوسه فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} سورة فاطر آية 6، فهذه الآية لو تأملها الإنسان وعمل بما تقتضيه لوقاه الله شر شياطين الإنس والجن. حيث إنها تفرض على بني آدم أمرين مهمين:

الأمر الأول: أن يعلم الإنسان علماً يقينياً لا يخالطه شك أن الشيطان هو عدوه الأكبر، وأن يعرف مقدار هذه العداوة

الأمر الثاني: أن يتخذه عدواً بالاستعداد لهذه العداوة، وأخذ الحذر والحيطة من هذا العدو إنه إن فعل ذلك بشكل دائم نجا بإذن الله تعالى – في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى – في محكم كتابه: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} سورة الأعراف آية 27

شهر رمضان والانتصار على الشيطان:

لقد وضح لنا ديننا سبل النجاة والخلاص من عداوة الشيطان والانتصار عليه بعدم تمكينه من إضلالنا وذلك عن طريق الاعتصام والتمسك بهدى الله تعالى فلن ندفع شرَ إبليس لعنه الله، ولن نبطل مكائده، ولن ننجو من غوايته وفساده إلا بالاعتصام بالله تعالى: { وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } آل عمران:101 ، فالنجاة من الشيطان بالعمل بالكتاب والسنة، والتحصن بالتقوى، وإن الله تعالى بين لنا أن هذا العدو يقود الإنسان إلى المهالك، ثم يتخلى عنه، ويسخر منه، قال الله تعالى: { تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } النحل:63 ومن وسائل الانتصار على الشيطان كثرة العبادة والالتزام بالفرائض والاجتهاد في النوافل واستصحاب الوضوء في كل حال بالإضافة إلى المداومة على الأذكار بأنواعها ومنها الاستعاذة واللجوء إلى الله تعالى بالدعاء الدائم ، والاستفادة الأوقات الفاضلة في تقوية الإيمان مثل شهر رمضان. قال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

فإذا أحسست به في غضب، أو شهوة، أو كبر، أو غفلة، فالتجئ إلى الواحد الأحد، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}، وقال سبحانه وتعالى: { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ}

وروى مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن ءادم السجدةَ فسجدَ اعتزلَ الشيطان يبكي يقول: يا ويلَه، أمِرَ ابن ءادم بالسجود فسَجدَ فلهُ الجنة، وأُمرت بالسجودِ فأبيت فلي النّار)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم ، وسلسلت الشياطين ) أخرجه البخاري ، وفي رواية (وصفدت الشياطين) وفي رواية (وتغل فيه الشياطين)

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قوله: وسلسلت الشياطين: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه، لأنهم كانوا مُنعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا في التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات بقراءة القرآن والذكر.

وقال القرطبي: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب: أنها إنما تُغَلُّ عن الصائمين، الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم، كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم ألا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية.

فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن تصفيد الشيطان وإغلاله في شهر رمضان، ورغم ذلك تحدث كثير من المعاصي والمخالفات والفواحش من كثير من الناس، والجواب عن ذلك -كما ذكر أهل العلم -أن لا تنافي بين ما ثبت من أن الشياطين تصفد في رمضان وبين وقوع المعاصي والمخالفات، لأن تصفيدها لا يمنع من حركتها، ولذلك جاء في الحديث: «تصفد فيه الشياطين، فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره» وليس المراد أن الشياطين لا تتحرك أبداً، بل هي تتحرك، وتضل من تضل، ولكن عملها في رمضان ليس كعملها في غيره.

فرمضان فرصة عظيمة لكل مسلم أن ينطلق بإيمانه وعبادته وطاعته في هذا الشهر ليحقق الغلبة والانتصار على الشيطان وجبائله بتضييق سبله وتقوية التقوى فيحقق القوة الإيمانية التي تغيظ الشيطان وترضي الرحمان.

اللهم احفظنا من كيد الشيطان، واصرف عنا كيده وتزيينه ووسوسته وإضلاله، ولا تجعل له علينا من سبيل، اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وأعنا على أنفسنا إنك على ما تشاء قدير.





Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline