فجر  05:59  |  شروق  07:49  |  ظهر  11:56  |  عصر  13:38  |  مغرب  15:59  |  عشاء  17:48

وثيقة كامبل، فشلت، ما هو البديل؟

كتب بواسطة: فيصل الزامل on .

انعقد مؤتمر " كامبل بنرمان"  في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين بهدف إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن. وقدم فكرة المشروع لحزب الأحرار البريطاني الحاكم في ذلك الوقت، وضم الدول الاستعمارية وهي:- بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، اسبانيا، إيطاليا. و خرج المؤتمر بوثيقة سرية سموها "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان.

وسواء صحت هذه الوثيقة ام لا، فان واقع السياسة الخارجية للدول الغربية يوضح بجلاء تقسيمها العالم على الفهم التالي :-(  هناك أمم غازية و اخرى غير غازية ، فافريقيا السوداء لم تقم يوما بغزو اوربا، و لا الهند فضلا عن امريكا اللاتينية ، و لكن العرب فعلوا و كذلك الفرس ، و مثلهم الروس، فهي مجتمعات مهيأة للهجوم على الغرب بحكم تكوينها الثقافي و خلفياتها التاريخية) .انتهى.

رغم قابلية هذا الفهم للنقض بسهولة ، كون اوربا نفسها قد شهدت غزوات داخلية، لا حصر لها من قبل بعضها البعض في مختلف العصور ( قبل التاريخ - العصور الوسطى - عصر النهضة الصناعية )  باضعاف ما قدم اليها من خارجها، و بشكل مدمر، ماديا و دينيا، قارن ذلك  مع الوضع في اسبانيا ، التي  ازدهرت حضاريا ابان وجود العرب فيها، و لمدة ثمانية قرون من الاستقرار لم تشهد اسبانيا خلالها أعمال ابادة و لا تهجير كالتي حدثت ابان الثورة البلشفية في روسيا ، او حتى في فلسطين ابان الحروب الصليبية، ثم في تهجير اهلها عام 1948،  و مع ذلك فسنتوقف عند التصور الذي طرحته وثيقة كامبل ، و نناقشه.

فقد ادى العمل بتوصيات  تلك الوثيقة الى قيام اسرائيل ، حيث تلقفت وزارة الخارجية دعوة د. هرتزل ليس فقط لحضول بريطانيا على دعم بنوك تملكها عائلات يهودية ، و لكن أيضا كونها تتسق مع توصيات تلك الوثيقة  ، الا أن العمل بتلك التوصية ، لاقامة وطن قومي لليهود في فلسطين - وعد بلفور - لم يحقق ذلك لاوربا  الحماية  المنشودة ، فقد نشبت الحربين العالميتيين من داخل اوربا ،  و جاء غزو تشيكوسلوفاكيا عام 1968 ثم اوكرانيا 2014، من قبل روسيا ، ليكشف هشاشة الفرضية التي قام عليها تلك التوصيات.

في المقابل ترتب على اضطراب اوضاع الدول العربية - سياسيا و اقتصاديا -  الى حدوث هجرات بشرية جماعية ضخمة الى اوربا حتى تغيرت معها التركيبة السكانية فيها الى بشكل كبير  ، و هو امر لم يتصوره  واضعوا وثيقة كامبل ، و لو تم استبدال تلك  التوصيات  الغير صحيحة بتطبيق النموذج الياباني بعد الحرب العالمية الثانية ، بتشجيع نموها اقتصاديا ، الأمر الذي ترتب عليه أن اوربا لم تشهد هجرات من مواطنين يابانيين للعمل  في الدول الاوربية و حمل جنسيتها ، بل تحولت اليابان من عنصر تهديد بالغزو الى قوة اقتصادية ايجابية قدمت للحضارة الانسانية  اضافة كبيرة ، و كان بامكان العالم العربي ان يفعل الشيء نفسه بدلا من تلك الهجرات الاستيطانية القادمة من الشرق الاوسط.

   نعم ، كانت الشراكات الاقتصادية بين الغرب و الشرق الاوسط  مع دول وسط و جنوب شرق آسيا ، ستحول دون انهيار اوربا اقتصاديا على النحو الذي حدث عان 2008، و تتوقع اوربا تكراره بشكل شامل و مدمر في اي صباح أي يوم من أيام السنوات القادمة .  

ان استقرار الشرق الاوسط هو مطلب اوربي  بامتياز ، فقد ادى استقرار تركيا سياسيا و نموها اقتصاديا الى توقف الهجرة من تركيا الى اوربا و عودة جزء كبير من الأتراك الى بلادهم ، و هو امر يتوقع له ان يتكرر مع استقرار الشرق الأوسط، و اذا لم يتحقق الاستقرار فسوف تتزايد اعداد المهاجرين بشكل كبير جدا .

إن للشعوب ذاكرة قوية تجاه من يحسن اليها، و من يسيء،  فقد تلقى المهاجرون من  الشعوب العربية - تحديدا الشعب السوري- من الدول الاوربية  ترحيبا  كبيرا، و معاملة انسانية فائقة ، على مر عقود من عدم الاستقرار بين1976-2014 دعما كبيرا لن تنساه تلك الشعوب لقرون طويلة قادمة، مثلما حدث مع اليهود الذين تم تهجيرهم من اسبانيا الى المغرب و تركيا بعد سقوط الاندلس، حيث لا يزال الشعب اليهودي يذكر بالكثير من العرفان ايواء تلك الدول له ، بالمثل ، فإن الشعوب العربية  التي وجدت من الشعوب الاوربية و حكوماتها ذلك التسامح الكبير ، مقارنة بالقسوة و البطش في بلدانها الى الحد الذي تعتبر اعادة اي مواطن منها الى بلده الأصلي هو حكم بالإعدام له، ما يجعل الموقف الاوربي علامة بارزة في التاريخ الإنساني المعاصر ، و قد أدى ذلك الى توجه كبير في أوساط المهاجرين نحو تنمية ثقافة تحقق التوازن بين الهوية الدينية و حقوق المواطنة الجديدة، و هي تنقل ذلك الى الجيل الثاني و الذي يليه كانها أمانة ، يعززها النص القرآني " وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان "، و حتى عندما تصدر مواقف في السياسة الخارجية لأي من الدول الأوربية ، و تكون غير مقبولة لدى هذه الشريحة ، من المواطنين الجدد فهم يمارسون حقهم في معارضته مثل بقية المواطنين في تلك الدولة عبر النظام القائم و ليس من خارجه .

وتعلم هذه الشريحة ان اوربا قد اتخذت هذا الموقف رغم ضغوط معاكسة من متطرفين محليين او من اللوبي الصهيوني ، و هو تنظيم سياسي،  ليس بالضرورة ممثلا لجميع اليهود ، و لهذا فسوف يبذل المواطنون الجدد قصارى جهدهم لدعم التوجه الاوربي بمختلف الوسائل التي تحقق له الاستقرار الديموغرافي ، و تقلل من حجم الفئة التي تمارس النشاط الاجرامي ، و هو امر لا تخلو منه اي شريحة ، غير ان هذه الشريحة من المواطنين الجدد تعتبر هذا الامر مسؤلية جماعية لها،و تقدم بموجب تلك المسؤلية  التوعية اللازمة بمختلف الوسائل الاجتماعية و الدينية و لا تكتفي باعتبار ذلك من مسؤلية أجهزة الدولة التي في الغالب تعجز عن التعامل مع الظواهر الاجتماعية الحادة .

Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.